ثلاثة وعشرون عاماً من بناء السلام والتنمية في شمال أبيي

ثلاثة وعشرون عاماً من بناء السلام والتنمية في شمال أبيي

ثلاثة وعشرون عاماً من بناء السلام والتنمية في شمال أبيي

منظمة القوني الخيرية
( شريك مجتمعي في تعزيز التعايش السلمي، والتنمية المستدامة، وبناء القدرة على الصمود )

كلمة افتتاحية

في قلب واحدة من أكثر المناطق هشاشةً وتعقيداً على الحدود بين السودان وجنوب السودان، حيث تتداخل تحديات النزاع، والنزوح، والفقر، وتغير المناخ، وضعف الخدمات الأساسية، واصلت منظمة القوني الخيرية أداء رسالتها الإنسانية طوال ثلاثة وعشرين عاماً، واضعةً الإنسان في مقدمة أولوياتها، والسلام المستدام هدفاً لكل تدخلاتها.
لقد آمنت المنظمة منذ تأسيسها بأن السلام لا يُبنى عبر الاتفاقيات وحدها، بل عبر التعليم، وتمكين المرأة، وحماية البيئة، وتعزيز سبل كسب العيش، وبناء الثقة بين المجتمعات المحلية. ومن هذا المنطلق، عملت جنباً إلى جنب مع المجتمعات في شمال أبيي، لتحويل مناطق التوتر إلى مساحات للحوار، وتحويل التحديات إلى فرص للتنمية والاستقرار.
وخلال أكثر من عقدين من العمل الميداني، تمكنت المنظمة من تنفيذ مبادرات أسهمت في دعم التعليم، وتعزيز الأمن الغذائي، وتمكين النساء، وإعادة تأهيل البيئة، وترسيخ ثقافة التعايش السلمي بين مجتمعات المسيرية ودينكا نقوك، في نموذج يعكس قدرة المبادرات المحلية على إحداث أثر مستدام عندما تحظى بالدعم والشراكة.
واليوم، وفي ظل استمرار التحديات الإنسانية والتنموية التي تواجه شمال أبيي، تتطلع منظمة القوني الخيرية إلى توسيع نطاق تدخلاتها من خلال شراكات استراتيجية مع وكالات الأمم المتحدة، والمؤسسات التنموية، والمانحين الدوليين، إيماناً بأن الاستثمار في المجتمعات المحلية هو الطريق الأكثر فاعلية لمنع النزاعات، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق التنمية المستدامة.
يستعرض هذا التقرير تجربة منظمة القوني الخيرية خلال ثلاثة وعشرين عاماً من العمل الإنساني والتنموي في شمال أبيي، ويوثق أبرز المبادرات التي نفذتها المنظمة في مجالات:

•   بناء السلام وتعزيز التعايش السلمي.
•   التعليم وإتاحة فرص التعلم للأطفال.
•   تمكين النساء اقتصادياً.
•   الأمن الغذائي والزراعة المستدامة.
•   حماية البيئة ومكافحة التصحر.
•   بناء الشراكات مع المؤسسات الوطنية والدولية.
•   دعم المجتمعات المتأثرة بالنزاعات.

كما يقدم التقرير رؤية مستقبلية لمجالات التعاون والشراكة التي يمكن أن تسهم في توسيع أثر هذه المبادرات بما يتوافق مع أولويات العمل الإنساني وأهداف التنمية المستدامة.

لماذا شمال أبيي؟

تمثل شمال أبيي واحدة من أكثر المناطق حساسية في القرن الأفريقي، حيث يعيش السكان في بيئة تتأثر بالنزاعات الممتدة، والتغيرات المناخية، ومحدودية الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الفقر، والنزوح، وتراجع فرص التعليم والتنمية.
ورغم هذه التحديات، تمتلك المنطقة رصيداً كبيراً من التعايش التاريخي بين المجتمعات المحلية، وهو ما يجعل الاستثمار في بناء السلام والتنمية المحلية فرصة حقيقية لتعزيز الاستقرار الإقليمي والحد من مسببات النزاع والهجرة القسرية.

القوني الخيرية… ثلاثة وعشرون عاماً من صناعة السلام وبناء الأمل في شمال أبيي

ومنذ انطلاقتها، آمنت المنظمة بأن السلام الحقيقي لا تصنعه الاتفاقيات السياسية وحدها، بل تبنيه المدارس، وتدعمه المعرفة، وتحميه التنمية، وترسخه الثقة المتبادلة بين الناس. لذلك ركزت تدخلاتها على بناء الإنسان، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وخلق مساحات مشتركة تجمع المجتمعات العربية والأفريقية التي ظلت تتقاسم الأرض والتاريخ والمصير.
ورغم وجود بعثة حفظ السلام في المنطقة، أدركت المنظمة أن السلام المستدام يبدأ من داخل المجتمع نفسه، فسعت إلى إعادة إحياء الإرث التاريخي الذي جمع بين المسيرية ودينكا نقوك، وهما مجتمعان ارتبطا عبر قرون طويلة بعلاقات الجوار والتجارة والتصاهر والتعاون، قبل أن تفرض التحولات السياسية والنزاعات المسلحة واقعاً جديداً ألقى بظلاله على النسيج الاجتماعي.
وقد جاءت تدخلات منظمة القوني الخيرية لتعيد وصل ما انقطع، وتستثمر في المشتركات الإنسانية التي تجمع السكان، باعتبارها الأساس الحقيقي لبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.

التعليم… بوابة السلام وبناء الوعي

في قرية صغيرة تحمل اسماً يعكس واقعها الصعب؛ “الخوف”، بدأت واحدة من أهم قصص التحول المجتمعي في شمال أبيي.
هناك، حيث غابت المدارس، وافتقد الأطفال حقهم في التعليم، وحيث كانت العزلة والخوف عنواناً للحياة اليومية، زرعت منظمة القوني أول بذور الأمل.
بدأت المبادرة بجهد تطوعي قادته شابة سودانية، أقامت فصلاً دراسياً بسيطاً تحت ظلال أشجار الصهب، ليصبح ذلك المكان نقطة انطلاق لحلم أكبر. وسرعان ما تبنت منظمة القوني هذه المبادرة، وشيدت فصولاً دراسية باستخدام المواد المحلية، لتوفر بيئة تعليمية آمنة تحمي الأطفال من برد الشتاء وحر الصيف، وتضمن استمرار العملية التعليمية.
ولم يكن الهدف إنشاء مدرسة فحسب، بل خلق مساحة يلتقي فيها أبناء المسيرية ودينكا نقوك على مقاعد الدراسة نفسها، فيتعلمون معاً، ويلعبون معاً، ويكبرون وهم يحملون قيماً مشتركة قوامها الاحترام والتسامح والتعايش.
لقد أثبتت التجربة أن الاستثمار في التعليم هو استثمار مباشر في السلام، وأن الطفل الذي يتعلم مع الآخر يصعب أن يحمل ضده مستقبلاً خطاب الكراهية أو العنف.
وامتداداً لهذه الرؤية، أنشأت المنظمة مجمعاً دينياً وتعليمياً لتعليم الكبار الذين لم تتح لهم فرصة الالتحاق بالتعليم النظامي، بهدف نشر قيم الاعتدال، وتعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ مبادئ التعايش السلمي، بما يسهم في بناء مجتمع يتجاوز الانقسامات ويؤمن بأن الإنسانية هي الهوية الجامعة للجميع.

مشروع الأرض الخضراء… التنمية طريق إلى السلام

إيماناً بأن الأمن الغذائي يمثل أحد أهم ركائز الاستقرار المجتمعي، أطلقت منظمة القوني الخيرية مشروع “الأرض الخضراء”، الذي يجمع بين حماية البيئة، وتمكين المرأة، وتحسين سبل كسب العيش.
ففي منطقة يعتمد كثير من سكانها على الاحتطاب كمصدر رئيسي للدخل، وما يترتب عليه من تدهور الغطاء النباتي واتساع رقعة التصحر، قدمت المنظمة نموذجاً عملياً للتنمية المستدامة عبر إنشاء مزرعة الدكتور عبد الكريم القوني للخضر والفاكهة.
ولم يكن المشروع مجرد مزرعة إنتاجية، بل تحول إلى مركز للتدريب ونقل المعرفة الزراعية، حيث تعلمت النساء أساليب زراعة الخضروات والفاكهة، واستثمار الأراضي خلال موسم الصيف، بما وفر الغذاء للأسر، وخلق مصادر دخل إضافية من خلال بيع الفائض في الأسواق المحلية.
كما نفذت المنظمة برامج لغرس الأشجار المثمرة وإعادة تأهيل الغطاء النباتي، مساهمةً في الحد من آثار التصحر، وتعزيز التوازن البيئي، وترسيخ مفهوم التنمية التي تحمي الإنسان والطبيعة في آن واحد.
ويمثل هذا المشروع نموذجاً قابلاً للتوسع في المجتمعات الحدودية، لما يحققه من أثر اقتصادي واجتماعي وبيئي متكامل، ولما يوفره من حلول عملية تقلل من مسببات النزاع المرتبطة بشح الموارد.

شراكات عابرة للحدود… تعاون من أجل مستقبل أكثر استقراراً

إيماناً بأن بناء السلام مسؤولية جماعية، عملت منظمة القوني الخيرية على بناء شراكات فاعلة مع بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي، بما يسهم في توحيد الجهود الإنسانية والتنموية داخل المنطقة.
وقد شاركت البعثة في العديد من الأنشطة المجتمعية التي نظمتها المنظمة، شملت الإفطارات الجماعية، ومنتديات الحوار، ومبادرات تعزيز التعايش، والبرامج الموجهة للأطفال والشباب.
وأسهم هذا التعاون في دعم عدد من المشروعات الخدمية، من بينها توفير مصادر لمياه الشرب في قرية الخوف وعدد من المجتمعات الأخرى، إضافة إلى دعم المبادرات التي تستهدف نشر ثقافة السلام ونبذ خطاب الكراهية، خاصة وسط الأجيال الجديدة.
وقد أثبتت هذه التجربة أن الشراكة بين المجتمع المحلي والمنظمات الدولية تمثل أحد أكثر النماذج فاعلية في بناء الثقة، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق التنمية في البيئات المتأثرة بالنزاعات.

دعوة إلى الشراكة من أجل مستقبل أكثر أمناً

إن ما حققته منظمة القوني الخيرية خلال أكثر من عقدين من العمل الميداني يؤكد أن المجتمعات المحلية تمتلك القدرة على صناعة السلام عندما تجد الشريك الذي يؤمن بها ويستثمر في طاقاتها.
إلا أن حجم التحديات التي تواجه شمال أبيي ما يزال يفوق الإمكانات المتاحة، في ظل الحاجة إلى توسيع نطاق التعليم، وتحسين خدمات المياه والصحة، وتمكين النساء والشباب، ودعم سبل كسب العيش، وتعزيز مشروعات التكيف مع التغيرات المناخية.
ومن هذا المنطلق، تتطلع منظمة القوني الخيرية إلى بناء شراكات استراتيجية مع وكالات الأمم المتحدة، والمؤسسات التنموية، والمانحين الدوليين، والصناديق الإنسانية، من أجل الاستثمار في مشروعات ذات أثر طويل المدى، تسهم في ترسيخ السلام، والحد من الهجرة والنزوح، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة في واحدة من أكثر المناطق احتياجاً للدعم.
إن دعم شمال أبيي ليس استجابةً لحاجة إنسانية آنية فحسب، بل هو استثمار في مستقبل منطقة تمتلك كل مقومات السلام إذا توفرت لها الفرصة.
لقد أثبتت تجربة منظمة القوني الخيرية أن الأمل يمكن أن يولد في قلب النزاعات، وأن مدرسة صغيرة قد تمنع حرباً، وأن شجرة تُزرع اليوم قد تحمي جيلاً كاملاً غداً، وأن مشروعاً تنموياً واحداً قادر على إعادة الثقة بين المجتمعات أكثر مما تفعله سنوات من الانقسام.
وفي شمال أبيي، ما زالت القوني الخيرية تؤمن بأن السلام ليس حلماً بعيد المنال، بل مشروعاً يومياً يبدأ بخدمة الإنسان، وينمو بالشراكة، ويستمر بالإرادة، حتى يصبح واقعاً يعيشه الجميع دون تمييز، في ظل العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.

رسالة إلى الشركاء والمانحين

إن التجارب الدولية أثبتت أن الاستثمار في المجتمعات المحلية هو الاستثمار الأكثر استدامة والأقل تكلفة في بناء السلام.

ومن هذا المنطلق، تدعو منظمة القوني الخيرية شركاءها الحاليين والمستقبليين إلى المساهمة في دعم البرامج التي يقودها المجتمع المحلي، بما يسهم في:

•   توسيع فرص التعليم للأطفال.
•   تعزيز الأمن الغذائي وسبل كسب العيش.
•   تمكين النساء والشباب.
•   توفير خدمات المياه والصحة.
•   حماية الموارد الطبيعية.
•   دعم المبادرات المجتمعية لبناء السلام.
•   تعزيز قدرة المجتمعات على الصمود أمام الأزمات.

إن كل مساهمة في هذه البرامج تمثل استثماراً مباشراً في حماية الأرواح، وتعزيز الاستقرار، وصناعة مستقبل أكثر أمناً وعدالة للأجيال القادمة.

“السلام المستدام يبدأ من المجتمع، والتنمية هي الطريق الذي يحميه، والشراكة هي القوة التي تضمن استمراره.”

منظمة القوني الخيرية
ثلاثة وعشرون عاماً من العطاء… وما زالت الرح